ابن الجوزي
183
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
ان شابا كان في بني إسرائيل لم ير شاب قط أحسن منه ، وكان يبيع القفاف ، فبينما هو ذات يوم يطوف بقفافه خرجت امرأة من دار ملك من ملوك بني إسرائيل فلما رأته رجعت مبادرة ، فقالت لابنة الملك : يا فلانة ، إني رأيت شابا يبيع القفاف ، لم أر شيئا أحسن منه ، قالت أدخليه فخرجت إليه ، فقالت : يا فتى أدخل ، لنشتر منك ، فدخل ، فأغلقت الباب دونه ، ثم قالت : ادخل ، فدخل فأغلقت بابا آخر دونه ، ثم استقبلته بنت الملك كاشفة عن وجهها ونحرها ، فقال لها : اشتري عافاك الله ، قالت : إنا لم ندعك لهذا ، إنما دعوناك لكذا - يعني المراودة عن نفسه - فقال لها : اتقي الله ، قالت له : إنك إن لم تطاوعني على ما أريد أخبرت الملك انك إنما دخلت علي تكابدني على نفسي قال : فأبى ووعظها فأبت فقال : ضعوا لي وضوءا / فقالت : أعليّ نعلك ، يا جارية ضعوا له وضوءا فوق الجوسق مكان لا يستطيع أن يفر منه ومن الجوسق إلى الأرض أربعون [ 1 ] ذراعا ، فلما صار إلى أعلى الجوسق ، قال : اللَّهمّ إني دعيت إلى معصية وأنا أختار أن أضر نفسي فألقيها من هذا الجوسق ولا أركب المعصية ثم قال : بسم الله وألقى نفسه من أعلى الجوسق فأهبط الله له ملكا ، فأخذ بضبعه فوقع قائما على رجليه ، فلما صار إلى الأرض قال : اللَّهمّ إن شئت رزقتني رزقا يغنيني عن هذه القفاف قال : فأرسل الله إليه جرادا من ذهب فأخذ منه حتى ملأ ثوبه ، فلما صار في ثوبه قال : اللَّهمّ إن كان هذا رزقا رزقتنيه في الدنيا فبارك لي فيه ، وإن كان ينقصني مما لي عندك من الآخرة فلا حاجة لي فيه فنودي إن هذا الَّذي أعطيناك جزء من خمسة وعشرين جزءا لصبرك على إلقائك نفسك من هذا الجوسق ، قال : اللَّهمّ لا حاجة لي فيما ينقصني مما عندك في الآخرة قال : فرفع . خبر ملك متزهد [ 2 ] : أخبرنا هبة الله محمد بن الحصين قال : أخبرنا الحسن بن علي التميمي قال : أخبرنا أحمد بن جعفر قال : أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثني أبي قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا المسعودي ، عن سماك حرب ، عن
--> [ 1 ] في الأصل : أربعين . [ 2 ] بياض في ت مكان : « خبر ملك متزهد » .